قراءة "آيا صوفيا" من أصدائه العربية *

نشر بتاريخ : 21 يوليو 2020

قراءة

فعلت تركيا كل ما في وسعها أمام أوروبا لتقبلها عضواً في اتحادها. غيروا حتى كيلونات الأبواب لتتوافق مع المعايير الأوروبية ، ولا أحد خلف الباب الأوروبي اقتربت يده لتحريك مزلاجه.

بدت ديمقراطية تركيا راسخة منذ أواخر القرن الماضي ، وبصيغة تتضمن نموذجا مختلفا للحركات الإسلامية " حزب العدالة " الذي أخذ مكانه من استجابته لأولويات المجتمع التركي الاقتصادية وليس من الشعارات الديماغوجية من قبيل "الإسلام هو الحل و " تطبيق الشريعة غايتنا .

الماضي الذي حاولت تركيا تجاوزه وجدته أمامها في حاجز الصد الأوروبي. كان صمت أوروبا المتواطئ مع محاولة الإنقلاب العسكري الفاشلة قد سبقه غلق الباب أمام عضوية تركيا ومحاولاتها الاندماج في الإتحاد الأوروبي، وهو صد مهجوس برؤية التاريخ وصراعاته، وأعمى من رؤية الحاضر ومتغيراته ، وإن أطال ترديد الكلام المُلاك عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرياته، وقيم الحضارة المعاصرة، المشروط كل تقدم بمجاراتها والإقتراب منها.

كان الخيار الآخر هو العودة إلى الجذور، العودة إلى تركيا الإسلامية ودورها في الضفتي ، الأولى أوراسية وتسمى ب "العالم التركي" ومناطق نفوذه التاريخية الممتدة من القوقاز إلى وسط آسيا، وتشمل دولا مثل أذربيجان ومثيلاتها. والضفة الثانية الشرق الأوسط وشمال وغرب أفريقيا، أو المنطقة العربية تحديدا.

المخاوف التي يضخمها صدى آياصوفيا في أوساط نوعية معينة من جمهور الحركات الإسلامية، لا ينبغي أن تنسينا حقيقة تستمد قوتها من تراكم اكتسبته تركيا مجتمعا ودولة على مدى عقود

كانت هذه العودة قد سبقت الربيع العربي، ولكنها أنتظرت خضات 2011 لتجد تركيا نفسها منغمسة في تحولات تتطلب منها الحضور فيها، من زاوية المصالح الجيوسياسية قبل التوافقات الأيديولوجية مع واقع سائل بدت فيه "الحركات الإسلامية" وكأن أوان صعودها إلى قمة السلطة قد آن أونه في ظل ثورات شعبية هي القوة الأكثر تنظيما داخلها.

المشكلة التي يمكن ان تقع فيها تركيا في تأكيدها على هويتها الإسلامية هي الحماس الزائد الذي يفقدها التحكم في رتم اتجاهها داخليا وخارجيا.

ان تفقد "الفرامل" أثناء محاولتها تسريع حركتها لاختصار المسافة والوقت.

ربما يكون قرار المحكمة العليا هناك إعادة متحف "آياصوفيا" إلى مسجد، واحدا من الاختبارات المهمة، ليس بدلالة القرار نفسه، بل بالتوجهات التي ستليه.

تأثيرات هذا القرار تتجاوز دلالته في حقل الصراع التاريخي مع روسيا ومركز الكنيسة الارثوذوكسية، ورسالة تأكيد الهوية الاسلامية لتركيا الموجهة لأوروبا والغرب.

رؤية القرار من أصدائه العربية ستحيلنا إلى حالة الإستقطاب الشديد الذي تمر به بلداننا منذ الربيع العربي في العام 2011.

تأثير قرار إعادة آياصوفيا إلى جامع في توجهات تركيا وحزب العدالة ينطوي على احتمالات عديدة للخطوات التالية، أسوأها أن يلبي أمنيات تيار متطرف يرى فيه مقدمة لاقتراب حزب العدالة، وتركيا عموما، من النماذج المتشددة للحركات الاسلامية المحشورة في لباس المرأة ومحاربة الفنون وحراسة المجتمع لتحديد ما يسمع وما يلبس وما يقول حتى أثناء دخول الحمام.

نسبة هذا الاحتمال لا ترقى لاستدعاء مخاوف من هذا النوع، غير أنها سيئة، لمجرد أن احتمالا كهذا يمكن أن يخطر على البال.

المأمول هو أن يسحب النموذج التركي، لحزب العدالة والدولة، الحركات والاحزاب من نفس المرجعية الاسلامية في نفس إتجاهه، وليس الارتكاس باتجاهها، والتراجع عن المكاسب التاريخية المدنية في تركيا ودولتها، والنكوص عمّا يمثله حزب العدالة والتنمية التركي من نموذج متقدم وجاذب يضع التجربة التركية في قمة الطيف المتنوع والشديد التباين للحركات الاسلامية، ويفتح المجال لردم الهوة بين الإسلام والعصر، التي تتغذى من قرون من الأفكار الوهابية المتشددة ومنظومتها الثقافية التي تجاوزها الزمن، ومن النماذج المتطرفة التي بعثت في النصف الثاني للقرن العشرين وكانت السعودية مركزها الداعم بمخزون تمازجت فيه مواعظ الوهابية وخطابها بأموال النفط وفترته الذهبية .

أبانت ردود الفعل على قرار إعادة "آياصوفيا" إلى مسجد، وأصدائه في بلداننا العربية، نوعين مختلفين من ذهنية تشترك في نفس الهوس المتطرف، من موقعين يتبديا متناقضين.

الأول إسلاموي منغلق ومقيم في قوالبه الجامدة، والثاني علمانوي متطرف حد الخفة والسطحية الاستهلاكية التي تقدم العلمانية كحالة عدائية للإسلام والقومية العربية.

النوع الأول رأى في تحويل آياصوفيا من متحف إلى مسجد بداية لتوجه سيؤدي إلى "توبة " تركيا عن الطابع المدني العلماني الذي يميزها، كدولة ومجتمع. وأن إلغاء العلمانية، التي يتم تصويرها في لبوس الشيطان، مسألة وقت.

ومع هذه الأصوات الآملة بإرتداد تركيا، ترتفع المخاوف من أن يؤدي الصدى إلى حالة إرتجاعية تؤثر في إنزلاق تركيا إلى وهاد هذه الذهنيات بدلا من انتشالها من قوالبها الميتة. الخوف من أن يقترب حزب العدالة من طبيعة الحركات الاسلامية العربية المتخلفة بدلا من شدها نحوه.

قيمة النموذج التركي هي رأسماله الأخلاقي الثقافي والسياسي عند الرأي العام العربي والإسلامي المتطلع لتحولات تصالح الاسلام بالعصر وليس في مضيه نحو شعبوية إسلاموية جديدة تستثير المزاج الشعبوي الديني وتجاريه.

هذه المخاوف التي يضخمها صدى آياصوفيا في أوساط نوعية معينة من جمهور الحركات الإسلامية، لا ينبغي أن تنسينا حقيقة تستمد قوتها من تراكم اكتسبته تركيا مجتمعا ودولة على مدى عقود.

الوجه الآخر للصدى تقدمه أصوات رائجة في السنوات الأخيرة تعيش فوبيا الإسلام والدولة الدينية، رأت في قرار آياصوفيا عودة إلى الدولة الدينية وأوهام الخلافة وتطبيق الشريعة والأسلمة.

هذه الأصوات الضاجة تتغذى من مناخ دعائي تضخه آلة إعلامية شغالة ليل نهار مركزها السعودية والإمارات، لترسيم الإسلاميين كعدو يرقى إلى مصاف الشيطان، إلى درجة لا تستطيع معها دولة عريقة مثل مصر تناول أزمة وبائية مثل كورونا دون وضع "الإخوان" كخلفية لها.

بعيدا عن هذه الأصداء الاستقطابية بإمكاننا القول أنه لا تركيا العلمانية تسعى لوراثة الوهابية السعودية، ولا السعودية الوهابية تمضي في تحولات حقيقية تمكنها من الإدعاء بمحاولة وراثة العلمانية التركية والتبشير بها في المنطقة العربية.

هناك ثغاءات سعودية خجلى وجوفاء، وبجانبها تأجج تركي متحمس ربما يهوي في منحدر دغدغة المشاعر الشعبوية. وهناك صراع على النفوذ، هذا مؤكد، غير أنه في الحالة السعودية اتخذ من الثورة المضادة المعادية للعرب شعوبا ودولا توجها له.

وهو توجه يقوض الدولة العربية ويستخدم من داعميه الدوليين لتمزيق البلدان العربية وتوطين الحروب داخلها. وما ادعاء التغيير في الرياض سوى دعاية استهلاكية للترويج لولي العهد في الغرب، وهي دعاية تأخذ طابع الأسكتشات الترويجية، ولا تختلف كثيرا عن مثيلاتها في الشركات التجارية.

توجه السعودية عربيا يعادي الحركات الاسلامية؛ لأسباب سياسية أبرزها مشاركتها في الثورات الشعبية وتطلعها للسلطة، وليس بسبب تطرفها الديني ونزوعها لاستخدام العنف والإرهاب لفرض معتقداتها. وهذا ما يفسر تفضيل السعودية والإمارات للسلفيين واستخدامهم في اليمن وليبيا ومصر، وصولا إلى الصومال.