"رجال الإمارات" في الحجرية!

نشر بتاريخ : 25 يوليو 2020

في الخامس والعشرين من نوفمبر (2018)، وجهت دائرة القضاء العسكري التابعة لوزارة الدفاع مذكرة تنص على طلب إحضار العقيد في اللواء (35) فؤاد الشدادي إلى الشرطة العسكرية بتعز، لاستجوابه فيما يتعلق بواقعة تهريب مادتي الديزل والبترول لصالح مليشيا الحوثي، وأتت هذه المذكرة بعد احتجاز شحنة مشتقات مهربة في منطقة المسراخ كانت في طريقها إلى دمنة خدير.

هذه الحادثة يمكنها أن تزيل اللثام عن مدى الاختراق الذي طال اللواء (35)، والذي أضحى حاليا مختطفا لدى عدد من الضباط "المتمردين" بشكل علني على قرارات رئيس الجمهورية، وقبلها على قرارات القيادات العسكرية، فالشدادي المحسوب على التنظيم الناصري، والذي كان عضوا في المجلس المحلي لمديرية المعافر، ظهر فجأة في (2017) ضمن قيادات اللواء (35)، وبدت سيرته مثالاً للقيادات التي ترهن شرفها العسكري خدمة لطموحاتها الشخصية وقربانا لعُقِدها الأيدلوجية، لدرجة تمد فيها يدها بشكل مباشر للدول الخارجية، حتى و لو كانت في عداء مباشر مع اليمن؛ مثل الإمارات.

الموالاة أوالمعاداة للعمل السياسي، تعد في قوانين الدولة خروجا على تقاليد المهنة العسكرية وخيانة لها، لكن العقيد الشدادي يجاهر بكل فجور لعدائه لحزب مثل الإصلاح، يعد جزءا من تركيبة الشرعية التي يدين بالولاء لها اللواء الذي يعد أحد قياداته، وفي سبيل هذه العداوة يساهم الشدادي في "زفة" الحملة الإعلامية الإماراتية ضد ألوية المحور والشرطة العسكرية، وتسويق الأسطوانة المملة عن تبعية الجيش للإصلاح، وتكرار لازمة (بعض) النشطاء اليساريين: مليشيا الحشد الشعبي، وحكر صفة الجيش الوطني على اللواء (35).

ورغم أن الشدادي دائماً ما يكرر أن اللواء الذي ينتمي إليه هو "صاحب الطلقة الأولى" في تحرير مدينة تعز من الحوثيين، إلا أنه عمل وبوتيرة عالية ومعه ثلة من الضباط العابثين بقيمة الولاء العسكري، على حرف بوصلة اللواء (35) بعيدا عن تاريخه المشرّف في مقاومة مليشيا الحوثي، وكأن "الطلقة الأولى" تجيز له فعل أي شيء، وتغفر للشدادي ورفقائه ما تقدم من الذنوب وما تأخر.

لقد هندس الشدادي عملية رفض قرار رئيس الجمهورية الخاص بتعيين اللواء عبدالرحمن الشمساني قائداً جديدا للواء (35)، وتم تحريض الجنود ضد استقباله، بالموازاة مع تحشيد سياسي ضد القرار الجمهوري، بدعم من مؤتمر أبوظبي وقيادات ناصرية، وبالتزامن مع تأييد علني من مليشيا طارق الرابضة في سواحل المخا التابعة لتعز. وقد ظهر الشدادي في قناة بلقيس الفضائية ليكشف أن التهم الموجه له ولرفقائه كانت صحيحة، فيما يتعلق بتوظيف اللواء (35) مدرع في مهمة تهيئة مناطق الحجرية لأجندة مشبوهة.

فالشدادي لم ينكر تهمة التمرد على قرار رئيس الجمهورية خلال حديثه لقناة بلقيس، بل أكد عليها، حيث قال إن قرار الرئيس هادي بتعين الشمساني أتى بعد قرار أجمع عليه ضباط اللواء بعدم قبول أي قائد من خارجه، وهذا في حكم القوانين العسكرية تمرد وخيانة، بل إن الشدادي ظهر بكل جرأة ليردد الأسطوانة الإماراتية التي تقول بأن "الشرطة العسكرية" التابعة للشرعية، أتت للتربة ضمن خطة "تركية"، وحتى أنه لم ينكر المعلومات التي تحدث عنها الصحفي عبدالعزيز المجيدي، والتي تفيد بتلقي اللواء أموالا من أبوظبي عن طريق المليشياوي قناص أطفال تعز طارق صالح. قال الشدادي: "الإمارات جزء من التحالف"، مع أنها تخوض حربا علنية على الشرعية.

نحن أمام ظاهرة خطيرة في العمل العسكري، ضباط يعملون في إطار جيش الدولة، يتلقون أموالا من دول إقليمية لتنفيذ خطط تعمل على تقسيم اليمن وتمزيقه، صحيح أن هذه الظاهرة متكررة في أكثر من محافظة، لكنها في تعز، تبدو متجاوزة لأي منطق، يتم التعامل فيها مع لواء عسكري وكأنه قطعة أرض يتم التنازع عليها، وليس قطاعا عسكريا ملكا للدولة.

حالياً يتم التحدث عن عملية تشويه تطال اللواء (35)، وفي الحقيقة لا توجد أخطر عملية تشويه تقوم ضده، أكثر من تلك السلوكيات التي يقوم بها فريق الشدادي، الذي ظل يدعم عمليات تمرد مستمرة على قيادة الجيش، ويرعى الفوضى المجتمعية، ومحاولة خلق بيئة فوضوية تتكرر فيها نسخ من انقلابات عدن والمناطق الجنوبية.

لقد مهدت تلك "القيادات المتمردة"، في البداية، الطريق لتغول كتائب أبو العباس داخل النفوذ الجغرافي للواء، وسلمت العام الماضي نقاطا عسكرية تابعة للواء، للقيادي في كتائب أبو العباس ذو "الأصل القاعدي" عادل العزي، نكاية بألوية المحور، ومنذ ذلك الحين يتحرك العزي بحرية في التربة باسم الكتائب وتحت غطاء اللواء، وحاليا يعمل العزي على تجنيد أفراد من ريف الحجرية لتكوين "اللواء العاشر"، الذي قُرر له أن يكون ضمن مليشيا طارق صالح التابعة للإمارات.

لقد حمت "القيادة المتمردة" في اللواء عملية توطين ممنهجة لأسر مليشيا طارق، تحت مسمى "النازحين"، وتحت هذا المسمى تتحرك عناصر تابعة لطارق في التربة بكل حرية، وتجري عمليات تنسيق حثيثة بهدف تأسيس تحالف موسع يضم قيادات سياسية واجتماعية وعسكرية، كمقدمة لضم الحجرية ضمن قطاع الساحل الغربي، الذي تريده الإمارات قطاعا منفصلا يضم المخا وباب المندب والحجرية.

لا يمكن فصل ما يجري في ريف الحجرية عن ما حدث في سقطرى وعدن وأبين، فالإمارات التي سارعت للبدء بإنشاء قواعد عسكرية في أرخبيل سقطرى بعد نجاحها في إسقاط المحافظة من يد الشرعية عن طريق مليشيا الانتقالي، تسعى الآن بكل قوة للقضاء على الشرعية في ريف الحجرية، ليتسنى لها ضمها للساحل الغربي، أو ليشكل حماية له، بما يضمن تأسيس قواعد عسكرية لها في المندب وجزيرة ميون ومدينة المخا.

طوال السنوات الماضية، وتحديدا من (2017)، أصبحت المخا ومناطق الساحل الغربي مزارا لضباط إماراتيين، وأنزلت أبوظبي أكثر من مرّة إلى تلك المناطق خبراء أجانب ومرتزقة، وفرق تدريب عسكرية، وعقدت فيها لقاءات مشتركة لتأسيس تحالف سياسي عسكري لإضعاف الشرعية، وحاليا بدأت خيوط اللعبة تتضح بعد أن وضعت قيادات عسكرية في اللواء (35)، العوائق أمام انتشار الشرطة العسكرية لفرض الأمن بالتربة، ورفضت قراراً جمهورياً قضى بتعيين الشمساني قائدا جديدا للواء، وعرقلته من أداء مهامه، ثم إفصاح الشدادي بصراحة عن رفضه القرار، وتلقيه أموالا من الإمارات عن طريق طارق صالح.

لقد أصبحت مسألة تحرير اللواء (35)، واجب وقت الشرعية في تعز، والتي تبدأ من إقالة القيادات المتمردة، وتقديمها للمحاكمة العسكرية، وعقد لقاء موحد لقيادات اللواء مع المحور، والبدء بخطة تنسيقية منضبطة، لمواجهة المؤامرة الإماراتية على تعز، والتي تبدأ بحل كتائب أبوالعباس، والقبض على عادل العزي وفريقه، الذي ينشط عسكريا لصالح الامارات.

علينا أن ندرك أن سقوط التربة بيد الإمارات، بمساعدة "فريق أبوظبي" بتعز، وهو الفريق المشكل من عسكريين وسياسيين من داخل صف الشرعية، مقدمة لتكرار تجربة المجلس الانتقالي في محافظة تعز، وفرض اتفاق جديد مماثل لاتفاق الرياض، يصبح فيه قناص الأطفال بتعز، طارق صالح، متحكماً بريف الحجرية، ولذا فإن فرض سلطة الشرعية في الحجرية مهمة عاجلة، وغير مؤجلة.

*نقلا عن المصدر أونلاين