حين أتفقد أناقة هندامي باستمرار

نشر بتاريخ : 27 يوليو 2020

حين أتفقد أناقة هندامي باستمرار

هذه المدينة ملهمة، أعني مدينة اسطنبول بصفة عامة وأخص بالذكر مدينة الفاتح، وأشدد على محلة كوجا مصطفى باشا، وعيني على السلطان أحمد قصر الباب العالي طوب قابي، وآيا صوفيا، والجامع الأزرق، وجراند بازار أقدم الأسواق وأكبرها في العالم، وسوق النساء كادينلار بازاري أكثر 12 شارعا إثارة للاهتمام في أوروبا حسب تقرير الملحق السياحي لصحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، فحكايات التاريخ هنا ملقاة على جوانب الطرق، والمشوار اليومي بين منزلي ومقر عملي يشهد على ذلك، أستمتع وأنا أشق طريقي هبوطا وصعودا في الزقاق، أدرك أنني سأدفع ثمن ذلك في العودة مرجلا، كان الأمر شاقا علي جدا عندما سكنت اسطنبول منذ سنوات، أقطع معظم شوارع الفاتح إما صاعدا وإما هابطا، أندهش عند حلول الجليد في الشتاء كيف يغالب ذلك العجوز، إنه يسير بخفة ونشاط، فيما أنفاسي تكاد تنقطع وأنا أناور متجنبا الانزلاق، رغم كوني شابا أقصد شابا حين أتيت أول مرة قبل عشر سنوات.

في جوار منزلي ينتهي الزقاق وأصل إلى حديقة تسمى علي باشا بارك، كل مرة أدخلها أشعر كأني أدخلها أول مرة، لا حيلة لي مع الجمال، جمال كل شيء، مساحة خضراء رائعة صيفا، وبساط ناصع البياض شتاء، أواصل طريقي خلالها، إلى اليسار يجلس رجل على المقعد الخشبي ممسكا كتابا يقرأ به، شدني الفضول فاقتربت بما يسمح لي برؤية كتابه، فإذا هو مصحف.

 سيدة تضع لقيمات على الأرض، لتسارع القطط إليها، وأخرى تنثر حبوب السكر على أبواب مساكن النمل، وتنثر حبوب القمح هنا وهناك، أرفع رأسي فإذا بسرب من الحمام يأتي سريعا قد لمح الوليمة، أنواع من القطط في الأنحاء تجري، وأشكال من الكلاب تلعب، أصحابها يتبادلون التحية والحديث، ثمة تفاصيل كثيرة، كثيرة جدا، تدخل البهجة على قلب كل عابر، عبرت عن شعوري لزوجتي وهي تمر معي ذات مرة، ابتسمت وقالت كلما مررت بهذه الأزقة استنشق عبق التاريخ وأشعر بنفسي أعيش زمنا غير زماني.

أتفقد أناقة هندامي باستمرار، الترك شعب أنيق، يهتم بمظهره، كبارهم وصغارهم، فقيرهم وغنيهم على حد سواء، أمضي الى شارع فوزي باشا، حين يشدني الشوق الى الصلاة في مسجد السلطان محمد الفاتح، في مدينة اسطنبول لم أتذكر يوما أن أحدا سألني عن ديني، أو عن جنسيتي إلا ما ندر، اسطنبول المدينة العلمانية الساحرة، التي انضم تيار كبير من أبنائها المتدينين الشباب إلى الفكرة العلمانية وأيدوها، ليس من باب التخلي عن دينهم، وإنما اعتقادا منهم أن العلمانية لا تنفي الإسلام والإيمان، ولا تشكل هي بحد ذاتها إيمانا جديدا، وإنما تنظم العلاقة بين أصحاب الاعتقادات والرؤى المختلفة على أساس الحرية، وحين حكموا البلاد ذهبوا بمجتمعاتهم نحو بناء دولة ضمنت الحرية للجميع، واستطاعت تحقيقها، بالرغم من اختلاف الآراء والمذاهب والأديان والأعراق، وهذا هو المكسب التاريخي الحقيقي الذي مكنهم من بناء الدولة التركية المدنية الحديثة، القائمة على الخيار الحر والإرادة الحرة لمواطنيها جميعا، وهو الصيغة الإسلامية الصحيحة للعلمانية كما يسمح بها الإسلام.